يعرف معظم الناس فيروس الهربس من قروح الزكام على الشفة. لكنّ الأقلّ شهرة أنّ الفيروس نفسه قد يهاجم العين أيضًا – وأنّه من أبرز الأسباب المُعدية لندبات القرنية في العالم الغربيّ. وما يميّز الهربس العينيّ أنّه يعود: فالفيروس “يغفو” في العصب ويستيقظ من حين لآخر، وكلّ نوبة متكرّرة قد تضيف ضررًا جديدًا. لذلك فإنّ التشخيص الصحيح والعلاج الدقيق والوقاية من النوبات هي المفتاح للحفاظ على الرؤية على مدى السنين.
ما هو الهربس العينيّ
ينجم الهربس العينيّ (Herpes Simplex Keratitis) عن فيروس الهربس البسيط، وغالبًا عن النوع نفسه الذي يسبّب قروح الزكام. بعد العدوى الأولى، التي تحدث عادةً في الطفولة وتمرّ دون أن يُلاحَظ، يبقى الفيروس كامنًا في العقدة العصبية لعصب الوجه. ومن حين لآخر – أحيانًا بعد مرض مصحوب بالحمّى، أو تعرّض شديد للشمس، أو توتّر، أو دون سبب معروف – يستيقظ وينتقل على طول العصب إلى العين.
للمرض عدّة أشكال، بحسب الطبقة المصابة:
- هربس طبقة الظهارة – الشكل الأكثر شيوعًا. يُصيب الفيروس نفسه الطبقة السطحية من القرنية ويُكوِّن قرحة على شكل غصن متفرّع (“تغصّنية”) تظهر بوضوح عند الصبغ.
- هربس السدى – الطبقة السميكة من القرنية. هنا ينجم الضرر أساسًا عن ردّ فعل التهابيّ من جهاز المناعة تجاه الفيروس، وهو ما قد يترك ندبات وأوعية دموية في القرنية وتراجعًا في الرؤية.
- التهاب البطانة – الطبقة الداخلية؛ ويسبّب وذمة وتعكّرًا في القرنية.
- إصابة الجفن والملتحمة، وأحيانًا أيضًا الجزء الداخليّ من العين (التهاب العنبية).
الأعراض
- احمرار، غالبًا في عين واحدة فقط.
- ألم أو إحساس بجسم غريب، وحساسية للضوء ودموع.
- تشوّش في الرؤية.
- أحيانًا حويصلات على الجفن أو حول العين.
- على المدى الطويل: تراجع في إحساس القرنية – ولذلك يكون الألم أحيانًا خفيفًا نسبيًّا مقارنةً بما يظهر في الفحص.
ولأنّ الأعراض تشبه التهاب الملتحمة البسيط، ليس من النادر أن يُشخَّص الهربس متأخّرًا. فالعين الحمراء في جهة واحدة التي لا تزول، وخاصّةً لدى من أُصيب سابقًا بالهربس العينيّ، تستوجب فحصًا بالمصباح الشقّي (انظروا أيضًا التهاب الملتحمة).
كيف يُشخَّص
التشخيص سريريّ في الأساس: ففي الفحص بالمصباح الشقّي مع الصبغ، لكلّ شكل من أشكال المرض مظهر مميّز. ويفحص الطبيب أيضًا إحساس القرنية وضغط العين والجزء الداخليّ من العين. وفي الحالات غير الواضحة يمكن أخذ عيّنة لفحص PCR للكشف عن الفيروس.
العلاج
في هربس طبقة الظهارة يُعطى دواء مضادّ للفيروسات – جِل أو قطرات للعين، أو أقراص. وأحيانًا يزيل الطبيب أيضًا الخلايا المصابة بلطف. وهنا لا يجوز إعطاء الستيرويدات – فقد تحوّل قرحة صغيرة إلى ضرر واسع.
في هربس السدى أو البطانة يكون الوضع معكوسًا: الضرر ناجم عن الالتهاب، ولذلك تُعدّ قطرات الستيرويد جزءًا أساسيًّا من العلاج – دائمًا مع غطاء مضادّ للفيروسات، وبجرعة تُخفَّض تدريجيًّا على مدى أسابيع، وبمتابعة لصيقة. وهذا بالضبط سبب وجوب تحديد علاج الهربس في الفحص لا بمبادرة ذاتية: فالقطرة نفسها التي تُنقذ القرنية في شكل من أشكال المرض، تضرّها في شكل آخر.
الوقاية من النوبات. لدى من يعانون من نوبات متكرّرة، وخاصّةً من الشكل السدويّ، ثبت في دراسة كبيرة أنّ العلاج الوقائيّ طويل الأمد بأقراص مضادّة للفيروسات بجرعة منخفضة يُقلّل عدد النوبات بشكل ملحوظ. ويُكيَّف القرار لكلّ مريض على حدة ويُعاد تقييمه مع الوقت.
عندما تبقى ندبة. قد تضرّ ندبات القرنية الناتجة عن النوبات المتكرّرة بالرؤية. وأحيانًا تُحسّن عدسات لاصقة صلبة خاصّة الرؤية، وفي الحالات التي تكون فيها الندبة عميقة يُنظر في زراعة القرنية – دائمًا تحت علاج وقائيّ مضادّ للفيروسات، كي لا يهاجم الفيروس الطُّعم.
الهربس النطاقيّ في العين
ينجم الهربس النطاقيّ (الحزام الناريّ) عن فيروس جدري الماء، الذي يبقى كامنًا في الجسم منذ الطفولة ثم يستيقظ، غالبًا في سنّ متقدّمة أو في حالات ضعف المناعة. وعندما يستيقظ في فرع العصب الذي يغذّي الجبهة والجفن العلويّ والأنف – يدور الحديث عن الهربس النطاقيّ العينيّ (Herpes Zoster Ophthalmicus). والطفح الذي يصل إلى طرف الأنف علامة على أنّ العين أيضًا في خطر متزايد.
قد يسبّب الهربس النطاقيّ التهابًا في القرنية وفي العنبية وارتفاعًا في ضغط العين، أحيانًا بعد أسابيع بل وأشهر من زوال الطفح. لذلك:
- يُبدأ العلاج المضادّ للفيروسات بالأقراص في أبكر وقت ممكن، ويُفضَّل في الأيام الأولى للطفح.
- يُجرى فحص لدى طبيب العيون حتى لو بدت العين سليمة، وتُتابَع الحالة بعد ذلك.
- يُقلّل التطعيم ضدّ الهربس النطاقيّ خطر الإصابة بالمرض ومضاعفاته – يُستحسن الاستفسار لدى طبيب العائلة عمّا إذا كان مناسبًا لكم.
متى يجب التوجّه للفحص
العين الحمراء والمؤلمة في جهة واحدة، أو الحساسية للضوء، أو تشوّش الرؤية، أو الحويصلات حول العين، أو الهربس النطاقيّ في الجبهة والأنف – كلّها تستوجب فحصًا لدى طبيب العيون في أقرب وقت. ومن أُصيب سابقًا بالهربس العينيّ ويشعر مجدّدًا بالأعراض نفسها، عليه أن يُفحَص مبكّرًا لا أن ينتظر. البروفيسور مايكل ميموني اختصاصيّ في القرنية، وفي الفحص نشخّص الشكل الدقيق للمرض، ونلائم العلاج، ونضع خطّة للوقاية من النوبات ولإعادة تأهيل الرؤية إن تضرّرت. للتواصل وتحديد موعد فحص. عن أمراض العيون الأخرى – في أمراض العيون. متى ولماذا يُنصح بمراجعة طبيب متخصّص في القرنية – في أخصائي القرنية.
المعلومات في هذه الصفحة عامّة وليست بديلًا عن الفحص والاستشارة الطبية الشخصية. يُحدَّد التشخيص والعلاج فقط بعد فحص كامل للعين. لا يجوز استعمال قطرات الستيرويد دون توجيه من طبيب العيون.
أسئلة شائعة
هل الهربس العينيّ مُعدٍ؟
ينتقل الفيروس بالتلامس المباشر، ومعظم الناس تعرّضوا له منذ الطفولة. والنوبة في العين هي في العادة إعادة تنشّط لفيروس موجود أصلًا في الجسم، وليست عدوى جديدة. ومع ذلك، يُستحسن أثناء النوبة النشطة غسل اليدين، وعدم لمس العين، وعدم مشاركة المناشف.
لماذا لا يجوز استعمال قطرات الستيرويد دون طبيب؟
في الهربس الذي يصيب الطبقة السطحية من القرنية، قد تؤدّي قطرات الستيرويد دون علاج مضادّ للفيروسات إلى تفاقم العدوى بشدّة وإلى ضرر دائم. أمّا في الأشكال الأعمق من المرض فالستيرويدات ضرورية فعلًا – لكن فقط بعد التشخيص، وتحت غطاء مضادّ للفيروسات، وبمتابعة طبيب العيون.
هل يمكن الوقاية من النوبات المتكرّرة؟
لدى من يعانون من نوبات متكرّرة، يُقلّل العلاج الوقائيّ طويل الأمد بأقراص مضادّة للفيروسات بجرعة منخفضة عدد النوبات بشكل ملحوظ. ويُتّخذ قرار إعطاء هذا العلاج ومدّته مع طبيب العيون، وفقًا لتكرار النوبات وشدّتها.
لديّ هربس نطاقيّ في الجبهة. هل العين في خطر؟
من المحتمل. الهربس النطاقيّ في فرع العصب الذي يغذّي الجبهة والعين قد يصيب العين، خاصّةً عندما يصل الطفح إلى طرف الأنف. كلّ هربس نطاقيّ في هذه المنطقة يستوجب علاجًا مبكّرًا مضادًّا للفيروسات وفحصًا لدى طبيب العيون، حتى لو بدت العين نفسها سليمة.